ملا محمد مهدي النراقي

435

انيس المجتهدين في علم الأصول

وقيل : هو في الحقيقة مركّب من القياس المنطقي والاستقراء ؛ لأنّا إذا أثبتنا علّيّة وصف معيّن لحكم ، كالإسكار للتحريم باعتبار وجوده في الأصل ، كالخمر ، لزم منه صدق قولنا : « كلّ مسكر حرام » فيتألّف قياس اقتراني ، هكذا : « النبيذ مسكر » ، و « كلّ مسكر حرام » فينتج : « النبيذ حرام » . والصغرى يقينيّة ، والكبرى معلومة بالاستقراء « 1 » . وفيه : أنّه يجب أن يكون الأوسط في الكبرى علّة لوجود الأكبر ، ولا يكفي مجرّد كونه معه في كونه علّة له ما لم ينضمّ إليه ما يدلّ على العلّيّة ، كنصّ ، أو مناسبة ، أو غير ذلك . والمعلوم من الاستقراء ليس إلّا مجرّد اقتران الوصف بالحكم من غير دلالته على العلّيّة ، فلا يستفاد الكبرى من الاستقراء . وحاصل القياس الفقهي مساواة فرع لأصل لعلّة حكمه ، أو إجراء الأصل في الفرع بجامع ، أو تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لعلّة متّحدة فيهما ، أو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما ، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما . فعلى الأوّل يكون القياس شيئا ثابتا في نفسه . وعلى البواقي يكون فعلا من أفعال المجتهد . فإذا قلنا : الأرز ربوي ؛ لاشتراكه مع البرّ في علّة ربوبيّته وهو الكيل والوزن ، يكون القياس على الأوّل نفس الاشتراك في الواقع ، أو في نظر المجتهد ، وعلى البواقي الفعل المذكور . والحقّ ، صحّة كلّ واحد من هذه الحدود من غير اختلال فيه طردا وعكسا . وما أورد عليه « 2 » ظاهر الاندفاع ، ولذا أعرضنا عنه . وله حدود أخر « 3 » مزيّفة تركناها ؛ لعدم فائدة في ذكرها . فصل [ 3 ] قد علمت من حدّ القياس أنّ أركانه أربعة : الأصل ، والفرع ، والعلّة ، والحكم . ولا كلام في أنّ العلّة هو الوصف الجامع ، والحكم هو حكم الأصل .

--> ( 1 ) . نسبه الغزالي إلى الفلاسفة في المستصفى : 280 - 281 ، ولكنّ القول للشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 257 كما يفهم من تمثيله . ( 2 و 3 ) . راجع : المستصفى : 280 و 281 ، والإحكام في أصول الأحكام 3 : 206 - 209 ، ونهاية السؤل 4 : 2 - 4 .